بسم الله الرحمن الرحيم

يونس عليه السلام

(وتحريف خبره بالتوراة)

 اسمه عليه السلام وما قارب أو شابه لفظه

(1)

اسمه (يُونُس) بنص القرآن الفصل ، ويسمّيه اليهود (يونه) ولدى النصارى بالأرامية (يونن) أو بالترجمات العربية ( يونان ) وبالإنجليزية  Jonah  ، وقيل ورد اسمه بالتوراة اليونانية Ioannes . واسم يونس  لعله قريب لفظاً من اسم  ملك مصر ( أونِس ، Unas, Unis, Wnis ) آخر ملوك الأسرة الخامسة  ( 2356-2323 ق.م)، ورسم أول حرفين من اسم الملك المصري أونس ( اُن : رسم أرنب تحته خط متموّج) هو نفس رسم حرفي بلاد بونت الشهيرة :[  ب/ف ،  (اُن) ، ت] ، التي قد يتعلّق معنى اسمها اللغوي بالماء الأزلي الأول ( المحيط الهندي ويم اليمن وارتباط المحيط أو اليم بالأصول والوجود الأول والبدايات كمطلع الشمس) ، ولعل من مثل لفظ (بونت) أخذ اليونان ألفاظ المنبع والأصل للماء وغيره :  fontes ، fountain ، foundation  وربما pond . وقد لا يبعد لفظ (البندقية : المدينة العائمة) عن بونت [اللسان: البَنْدُ: الذي يُسكِر من الماء،القاموس: البَنْدَرُ: المَرْسَى، والمُكَلأَّ]، وربما كذلك اسمها الأصلي ( فينيسيه  Venezia ) عن لفظ (يونس) إن اعتبرنا (الفاء) زائدة أو بدلاً عن الواو ، وكذلك بلاد (فينيقيا) الأقدم ( ساحل سوريه ولبنان) وهي بالمصرية القديمة ( فنخو) والتي قد تتعلّق في أصلها اللغوي بالماء. وباللسان: [ أُنُسٌ : اسم ماء لبني العَجْلانِ ]. كما قد يشابه اسم يونس لفظ  الاسم العربي (أنس) ، [اللسان: أَنَسٌ وأُنَيسٌ: اسمان. .. ويُونُسُ ويُونَسُ ويُونِسُ، ثلاث لغات: اسم رجل، وحكي فيه الهمز أَيضاً، واللَّه أَعلم]. ويحتمل أن يكون يونس بمعنى ( إنسان،إنسي) أو مخلوق [ (ونّو): إنسان ،بشر، كائنات حيّة ، مخلوقات، ص 573 ، وبالأكادية :"يانو" بمعنى يوجد ،وجود، ص 575 آلهة مصر العربية، علي فهمي خشيم] ، وباللسان [..  وما أَنَّ في الفُرات قَطْرةٌ أَي ما كان في الفُراتِ قطرةٌ..]، وبالقاموس : [ الْأَيْنُ: الحيَّةُ، والرجُلُ].وباللسان: [الأَينُ الحيَّةُ .. الأُيونُ جماعة. ..الأَينُ والأَيم أَيضاً الرجل]. وفيه [ أَعناء من الناس وأَفْناء أَي أَخْلاط، الواحد عِنْوٌ وفِنْوٌ  ، وقولهم: يا هَناه أَي يا رجل. ما بالدار (عين = أحد). و العيان الشخص]. وبكتاب الموتى:  (أون - ك) ، ص 1xxxiii ،أي (وجودك/كونك). ولدى سومر :نا =إنسان. وقد يتضمّن اسم يونس  معنى آخر  غير معروف. ولكن الأرجح أن يكون اسم يونس متعلّقاً بالماء والبحر [القاموس:  أنَّ الماءَ: صَبَّه. يَيَنٌ : عَيْنٌ، أو وادٍ .. ( معجم البلدان لياقوت: يين: عين بواد)، ‏ اللسان: أَنَّ الماءَ يؤُنُّه أنّاً إذا صبَّه. وفي كلام الأَوائل: أُنَّ ماءً ثم أَغْلِه أَي صُبَّه وأَغْلِه ، الإوانةُ: ركيَّةٌ معروفة] . والعيون [اللسان: العانَةُ: الحَظُّ من الماء للأَرض، بلغة عبد القيس. القاموس: بِئْرُ مَعُونَةَ، بضم العينِ: قُرْبَ المَدينَةِ. يقال: عَنَت القِرْبة تَعْنُو إِذا سالَ ماؤُها،..ودَمٌ عانٍ: سائِلٌ. وقيل: العَنِيَّة أَبوالُ الإِبل، وعَنا الماءُ إِذا سالَ] وبالقاموس: [نِينَى : نَهْرٌ ]، والنوء مرتبط بالمطر [اللسان : ابن الأَعرابي يقول: لا يكون نَوْءٌ حتى يكون معه مَطَر، وإلا فلا نَوْءَ ، .. قال أَبو عبيد: النَّوْءُ هو النَّجْم الذي يكون به المطر ] وبالقاموس [ نِهْيَا، بالكسرِ وبالتَّحْرِيكِ: ماءٌ، .. النَّـِهْيُ : الغَدِيرُ ] وباللسان [ النَّهْي والنِّهْي :  قيل: هو الغديِر في لغة أَهل نجد؛ .. وفي الحديث: أَنه أَتَى على نِهْيٍ من ماء؛ النِّهْيُ، بالكسر والفتح: الغدير وكل موضع يجتمع فيه الماء. .. نِهْيا اسم ماء] ولا يبعد اللفظ عن (نهر)، ولدى مصر القديمة مدينة الشمس : آنو ( عين) شمس ،وبالعبرية أون وبيت شمس كترجمة للفظة المصرية: (بر - رع).  أو الأحياء البحرية كالحوت ، وبالقرآن ترجيح ذلك حيث سمّى يونس :صاحب الحوت وذا النون ، مما قد يكون تفصيلاً لمعنى الاسم اللغوي [ قد يكون اسم يونس في أصله من مقطعين : ( "يونُ " : الذي قد يتعلّق بلغة قديمة في اليمّ أو النون أو النوء أو لغات أخرى متعلّقة بالماء كالنوتي وربما مينى/ مينا ) + "س " : ( زائدة لفظية بمعنى ذو/ذا أو لغة في تعريف قديم، كالتاء عند العرب في مثل :حمزة،حنظلة).  أو ثلاثة مقاطع : ( "ي" أو "يُ ": حرف مضارعة + "ونُ" أو "نُ" : لفظ متعلّق بالماء كما تقدم + "س" زائدة لفظية]. وباللسان : [ المِينا: مَرْفَأُ السُّفُن، يُمدّ ويقصر، والمد أَكثر، سمي بذلك لأن السفن تَني فيه أَي تَفْتُرُ عن جَرْيِها؛ .. التهذيب: المِينى ..  موضع تُرْفأُ إِليه السُّفن. الجوهري: المِيناء ..  من الوَنا. وقال ثعلب: المِينا ..  من الوَنى] . المينا/المينى من الونا/الونى الذي قد لا يكون بالضرورة كما بالمعاجم من الفتور ولكن من معنى (نحو البحر والأعماق)، فقد يكون الأصل اللغوي للمينى مشتقاً من البحر والماء والأصول الأولى، كتسمية بحيرة (وان) بشمال العراق مثلاً. وبسفر يونس اسم الفلك بالعبرية : اُنيَة ،الذي قد يتعلّق كذلك معناه بالماء (ومعنى الوجود والجريان أرجح). فقد يكون من معاني اسم يونس ( لعله صيغة مشتقة من جذر ونى  أو أشباهه مثل ألفاظ : أنّّ،يين، إوانة،وان)، كجذر متعلّق بالماء والمينا (وليس بالتعب والفترة والضعف). أي أن يونس قد يكون بمعنى الذي ذهب ومضى نحو المينا أو الذي ركب البحر [القاموس : النَّسُّ: .. وُرُودُ الماءِ خاصَّةً، وباللسان: النس لزوم المَضاء في كل أَمر وهو سرعة الذهاب لوِرْدِ الماء خاصة ] ، أو بمعنى الذي خرج من ظلمات البحر وأعماق المحيط أو بلغها ،أو بمعنى مرتبط بالنون (الحوت) كما هو اسمه: ذو النون وصاحب الحوت. ولعل اسم المدينة الساحلية الشهيرة تونس ( ميناء ربما أسسه الفنيقيون) قريب من اسم يونس لفظاً ومعنى، وبمعجم البلدان لياقوت: تونة جزيرة قرب (تنيس) ودمياط. والنون هو الحوت كما هو معروف [القاموس : النُّونُ : ..  الحُوتُ .. والنُّونَةُ: .. السَّمَكَةُ]، وبالنقوش المصرية القديمة : [ إن ( = سمكة)، نون ( = سمكة)،721، معجم بج،آلهة مصر العربية]. وتسمية الحوت ( النون )  قد تكون بدورها متعلّقة بالماء والأعماق أو مشتقّة منه [وكان نون (= إله) وزوجته نونة يرمزان للأمواه التي تكونت منها مادة الوجود، ص 533، آلهة مصر العربية] ،وفي نفس المصدر معان لكلمات مصرية قديمة : [ننوى = المادة الأزلية الأولية. نوت= مياه، بحيرة،بركة. نوى = بحيرة المعبد المقدس. نويت = فيضان. نو/ننو = الماء الأزلي المقدس الذي خلق منه كل شيء. نو = كتلة الماء الذي وجدت في الزمن الأزلي/الأمواه السماوية العلوية وهو مايعرف بالقبطية باسم: نون، وفي الأكادية : نون ونونو تعني سمكة]. ولدى مصر ( نو،نوت،نيت،نين) الماء الأول أو المحيط الذي انبثقت منه الحياة وجميع الآلهة المصرية ( رسم الإلهة نوت : امرأة على رأسها إناء)، فالكلمة تتعلّق لغة بمعنى الأصل والبداية الذي ارتبط بالماء لأنه بداية الحياة وأصلها ، ورغم معاني متعلّقة بالسماء [نو :اسم رب السماء الذكر، 532، نوت (السماء) ص 705،آلهة مصر العربية]، إلاّ أنهما يمثلان الأصل المائي الأول الذي رآه القدماء وكأنه يحيط بالكون. [وكان نون وزوجته نونة يرمزان للأمواه التي تكونت منها مادة الوجود،ص 533، آلهة مصر العربية]، ورغم أن المعاجم لا تتحدث عن النون بمعنى الماء ولكن بمعنى الحوت ، إلاّ أنه قد ورد ما يشير إلى النون بمعنى يتضمّن الماء والبحر والمحيط ( وقد أشار لذلك كتاب آلهة مصر العربية) الذي اعتقد القدماء أن الأرض مبسوطة أو محمولة عليه ،ولكن خُلط بينه وبين الحوت : [كنز العمال : عن ابن عباس قال: ..  ثم خلق (الله) النون فكبس الأرض على ظهر النون . الجامع لأحكام القرآن: عن ابن عباس قال: ..  ثم خلق (الله) النون فدحا الأرض عليها، فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات، واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، .. وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها،.. / عن ابن عباس قال: ..  ثم خلق (الله) النون فبسط الأرض على ظهره، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ..  وقال كعب: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون ..]،  ولدى مصر:[ إنت =وادي، ص 232،كتاب الموتى]، وبالقاموس [ أُنَا، كَهُنَا، أَو كَحَتَّى، أَو بكسر النُّونِ المُشَدَّدَةِ: بِئْرٌ بالمدينةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، ووادٍ بطريقِ حاجِّ مِصر‏] ،ولعل مثله [الحَنِيَّان : وادِيانِ (المحيط). اللسان:حُنَيْنٌ: اسمُ وادٍ بين مكة والطائف]، وجاء بالمسند [إرياني 29: كل أرضهمو وأيونهمو]. وكان رسم حرف النون بالخط المصري القديم وبخط بالمسند والخطوط القديمة عموماً بهيئة خط متموّج ( كرسم موج البحر أو سطحه) ويعني أصلاً ( ماء،بحر،موج) أو نون.  ولعل مثل ( ذي النون) تسمية فتى موسى (يوشع بن نون) ،ونون ليس نسبة لأبيه ، ولكن ارتبطت ذكرى فتى موسى بالنون (الحوت) الذي نسيه عند الصخرة. وباللسان: [النُّوتِيُّ: المَلاَّحُ. الجوهري: النَّواتِيُّ الملاَّحُونَ في البحر، وهو من كلام أَهل الشام، واحدُهم نُوتيٌّ. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما،.. إِنهم كانوا نَوَّاتِينَ أَي مَلاَّحين]. ولعل النوح قريب من ذلك : [اللسان: استناحَ الرجلُ:بَكَى حتى اسْتَبْكَى غيره]. وبالإنجليزية الملاحة البحرية هي navagation ، والأصل (ناويجيشن )، والأسطول البحري navy ، وبنقوش مصر القديمة : [ إنّوي (يُبحر) ص 177. نع (يبحر) ص 142. كتاب الموتى، واليس بدج]، [نوى (=ماء، فيضان) ص 772، آلهة مصر العربية]. ولعل من نفس الأصل اللغوي ليونس اشتق اسم بلاد البحر اليونان ( ياوان بالتوراة) ، ولعلها بلاد (العين) الحمئة (التي قد تكون مناطق البحر الأسود Pontus أو بنطس وسواحل تركيه الغربية) أو نحوها [ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ {86} الكهف]، ويُسمّى ساحل تركيه الغربية ومعظم جزر بحر أيجه، باسم (أيونيا) الذي قد يكون لغة في العين ، وبصبح الأعشى للقلقشندي [ يونان وهو ياوان .. يونان بن خلجان] وبالقاموس [الخَلِيجُ: النَّهَرُ، وشَرْمٌ من البَحْر] . وفيه [ يَوَنُ : باليمن]. وبالمسند (جام 635) ورد ذكر (بني يون) : [لسبا وقتدمن ذبن خولن خضلْ وذبن نجرن وذبن اعربن لحرب عشرة يحبر اسد كونو كون ( بني يونْ ) وقريتْ ويحربهمو بكنف ارض الاسد]. وهناك أماكن تحمل اسم ( يونس) أو لغة فيه ،عند مواني عديدة بساحل كنعان مثل : النبي يونس ( جنوب صيدا)، تل يونس ( جنوب يافا) ، النبي يونس ( شمال أشدود)، خان يونس ( جنوب غزّة). وذكر الكاهن البابلي بروسس  Berossus  وهو من القرن الثالث قبل الميلاد ( على لسان مؤرخين يونان) الإله البابلي إله الشمس الرجل السمكة واسمه أونس   Oannes  ( رب الموج عند بابل) الذي أتى من اليم ّ  . والإله الحثّي ( أنوس ) أول الآلهة ولعل مثله إله الروم Janus ( متعلّق بالبداية والأصل ،ومنه الشهر الأول يناير ). وقيل لعل Oannes  هو نفسه الإله الأعظم  السومري ( ان) أو البابلي آنو ( رب السماء) أو الإلهه البابلي ( يا ) Ia أو ( إيا ) Ea إله الماء والطوفان والأصل الأول والأعماق البحرية [وبالقاموس: من أسماء الشمس: يُوحٌ ويُوحَى ] . ونلاحظ أن (يا/يو) يشابه المقطع الأول من اسم (يونس) كما قد يكون (يا) الأصل الأقدم لكلمة (يمّ) والميم زائدة ، والإله الكنعاني ( يمّ ) وهو رب الماء والنهر ، ومن أسمائه ( نهر،  يَو) .  والإله (يا) هو الإله إنكي Enki    رب الأمواه العميقة [ ولعل منه اللفظة الإنجليزية ink بمعنى حبر ،أو من ألفاظ مثل :أنّ ،أو من المصرية القديمة مثل ما جاء بكتاب الموتى : عنو (كتابة) ص 26، عنو (كتابة) ص 179، عن (كاتب) ص 115. عنو (=يكتب) ص 145.وما جاء بآلهة مصر العربية : ( عن) =أكتب، ص 829 ]، وبالقاموس : النُّونُ : ..  الدَّواةُ، .. نِينَى : نَهْرٌ) والذي قد لا يبعد اسمه عن الاسم اليهودي حنوك   Enoch (أو خنوخ / أخنوخ أقدم الأنبياء لديهم والذي جعلوه سلفاً لنوح عليه السلام وجعله بعض المفسرين نبي الله إدريس)،كما قد يقارب كذلك اسم ملك مصر اُنِس. وبالقاموس :[ النَّسِيسُ: .. عِرْقَانِ في اللحمِ يَسْقِيَانِ المُخَّ. النَّسيسَةُ : ..  البَلَلُ يكونُ برأسِ العُودِ إذا أُوقِد َ.. نَسَّسَ الصبيَّ تَنْسِيساً: قال له إسْ إسْ لِيَبولَ أو يَتَغَوَّطَ]، وباللسان: [أَنْسَسْتُ الدابة: أَعطشتها. ناسَّةٌ والنَّاسَّة؛ الأَخيرة عن ثعلب: من أَسماء مكة لقلة مائها]، ومثله (نشّ) . القاموس [ نَشَّ الغَدِيرُ يَنِشُّ نَشيشاً: أخَذَ ماؤُهُ في النُّضوبِ. النَّشيشُ: صَوْتُ الماء وغيرِهِ إذا غَلَى. وككَتَّانٍ: وادٍ لِبَنِي نُمَيْرٍ كثيرُ الحَمْضِ] اللسان [ نَشَّ الماءُ إِذا صبَبْته من صاخِرةٍ طال عهدُها بالماء] وقد يربط اليهود اسمه ( يونه) بمعنى الحمامة لعله ( لنوحها وسجعها) أو لنوحه وبكائه وتضرّعه لله ببطن الحوت أو الونا (الضعف). 

(2)

واليهود يسمّونه ابن أمتّاي أو ابن متّى ( بالعبرية : يونه بن أمتي) ولعل متّى ليس بالضروة اسم أبيه أو أمه [ ولكن يُحتمل أن يكون لغة قديمة في معنى ابن أمّه ( القاموس: يقال للأَمِّ: الأُمَّةُ والأُمَّهَةُ)، أو ابن الأمة أي المرأة،وهي لدى اليهود أرملة صيدا] ، ومثله تسميتهم لفتى موسى يوشع بن نون، حيث نون ليس أبا يوشع وإن حسبه اليهود ، ولكن لقب اشتهر به فتى موسى لأصل أضاعوه ورد بالقرآن (ارتبط بنسيان فتى موسى النون / الحوت عند الصخرة). فالحوت هو النون بلغة القدماء كمصر وغيرها ومنه يوشع بن نون أي يوشع صاحب ( ذو) الحوت ( النون) ، كمثل قول ابن السبيل وابن الصحراء أو البادية وابن القرية أو المدينة. ويونس عند اليهود أو بعضهم هو ابن الأرملة (بصرفة صيدا) الذي أحياه إلياس بعد موته ، واسمه ( ابن أمتى) عندهم ليس لأبيه أو لأمه ولكن متعلّق بعبارة قالتها أمّه الأرملة لإلياس بعدما أحياه [ ملوك أول 17/ 24 : فقالت له الأرملة : الآن علمت أنك رجل الله ، وأن كلام الرب في (فمك صادق حقّاً) ] ، وحرفه بالعبرية [ بفيك (أمت ) ] . ولكن لعل كونه ابن امرأة من صيدا ( مما قد يجعله من الفنيقيين) ، والذي يؤيده إنجيل لوقا [ 4/ 24 .. لا يُقبل نبي في وطنه 25 .. كان في إسرائيل كثير من الأرامل في زمن إيليا .. 26 وما أرسل الله إيليا إلى واحدة منهن بل أرسله إلى أرملة في صرفة صيدا ]، يناقض خبر أنه عبراني في سفر يونه ( الذي يشير أنه من بني إسرائيل) ، ومثله بالجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي : [يونس هو ذو النون، وهو ابن متى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها إلياس ..  ومات ابن المرأة يونس، ..  فجاء إلياس إلى الصبي ..  فأحيا الله يونس بن متى بدعوة إلياس عليه السلام  ] ،فقد يتعلّق نسبه بموته ، أو لعل أصل هذا الربط ( ابن متّى) هو تعرّض يونس للموت بسبب الحوت ثم نجاته. وقد تكون اللفظة العبرية ( أمت) ،مقاربة لغوياً لوصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمّة :[ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً {120} النحل] . أو كما باللسان : [الأُمَّةُ: الرجل الذي لا نظِير له] ربما لاختلاف بعض ما صدر منه عليه السلام عن سائر الأنبياء. ولعل اشتقاقه كذلك من أنه اعتبر صادقاً [ اللسان : الأَمْتُ: الطريقةُ الحَسَنة ] عند اليهود لنبوته (وإن لم يهلك أهل نينوى كما تنبأ )،ولأن الله قد أعلمه بهلاكهم ولكن رحمهم لتوبتهم. وقد يكون اسم متّى متعلّقاً بأن قومه متّعهم الله ولم يهلكهم ( أي أن متّى لغة في متع ، وأرجح منه أن يكون هو من متّعه الله بحياته بعدما رأى الموت ببطن الحوت) . وقد يكون اسم متّى لغة في ألفاظ أخرى مثل مدّ ومطّ ( في سيره ) ومضى ومطا [ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى {33} القيامة] ومته ومتا ومتى ومطع ( لأن يونس مضى على وجهه ومضى ومطا عن قومه لغضبه) من ابه مغاضباً وآبقاً في الفلك. وباللسان : [ماطَ عني مَيْطاً ومَيَطاناً وأَماطَ: تَنَحَّى وبعُد وذهب]. ولعل اليهود لاعتقادهم أنه أُرسل لنينوى أو أن أمّه من صيدا أرادوا لفظاً قديماً في معنى الأمّي ( غير إسرائيل) أو معنى ابن قومه وجماعته ( أمّته) . وباللسان معان أخرى جميلة للفظة ( أمت ) : [الصحاح: أَمَتُّ الشيءَ أَمْتاً قَصَدْته .. والأَمْتُ: العِوَجُ..  وفي التنزيل العزيز: لا تَرَى فيها عِوَجاً ولاأَمْتاً؛ أَي لا انخفاض فيها، ولا ارْتفاعَ ..  ويقال: سِرْنا سَيْراً لا أَمْتَ فيه أَي لا ضَعْفَ فيه، ولا وَهْنَ. والأَمْتُ: العَيْبُ في الفَم ..  لا أَمْتَ فيها أَي لا عَيْبَ فيها. ..  وقيل للشك وما يُرْتابُ فيه: أَمْتٌ لأَنَّ الأَمْتَ الحَزْرُ والتَّقدِير، ويدخُلهما الظَّنُّ والشك؛ ..  قولك سِرْتُ سَيْراً لا أَمْتَ فيه أَي لا وَهْنَ فيه ولا ضَعْفَ؛ وجائزٌ أَن يكون المعنى أَنه حَرَّمها تحريماً لا شك فيه؛ وأَصله من الأَمْتِ بمعنى الحَزْر، والتقدير، لأَنَّ الشك يدخلهما]. فالأمت القصد كقصد يونس وذهابه مغاضباً ، والأمت العيب والعوج لانعواجه عن الدعوة وقومه ثم شكّه وظنّه وسوء تقديره أن لا يقدر الله عليه أمراً لأبقه وأمته .

حقيقة تحريف اليهود

مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ {46} النساء

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ {13} المائدة

وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ {41} المائدة

مجمل خبره لدى اليهود

أمر الله يونه ( الذي كان بفلسطين) بالذهاب شرقاً لنينوى (نينوه بالعبرية وهي عاصمة أشور بشمال العراق) لينذرهم ،  فهرب يونه غرباً وركب بحر الشام  ، وتعرّضت السفينة للغرق فقارع فقُرِع فعلم البحّارة أنه سبب اضطرابها فألقوه  منها بعد تردد ( لرفع غضب الله عنهم )، فالتقمه الحوت وتضرّع يونه لله وصلّى في قعر البحر ، وبعد ثلاث قذفه الحوت إلى البرّ. فأمره الله ثانية بالتوجه لنينوى وينذر أهلها بقرب عقابهم ، فأتاها وسار فيها يوماً منادياً بهلاكها (ائْتِفاكها، بالسفر العبري) بعد 40 يوماً ، فآمن أهلها مع ملكهم  وتضرّعوا لله حتى كشف عنهم العذاب ، فأغضب ذلك يونه وطلب موته ، وخرج من القرية وجلس بشرقها يرقب هلاكها ، فأنبت الله عليه يقطينة تظلّه ففرح يونه ولكن بالغد أكلتها دودة فماتت الشجرة وضربت الشمس رأسه فأغمي عليه وغضب بشدة طالباً موته ثانية، فقال له الله أنت أشفقت على اليقطينة ، أفلا أشفق أنا على أهل نينوى ؟

مجمل خبره لدى أهل التفسير

قال جمهورهم أن يونس أُرسل لنينوى قومه وقيل مكث فيهم 9 سنين ثم وعدهم بحلول العذاب بعد ليلة أو ثلاث وارتحل ليلاً مغاضباً لقومه، فلمّا تدلّى عليهم العذاب أو عاينوه أو دنا منهم أو دار على رؤوسهم  وغشيهم أو رأوا علامته أو حسّوا بحره على أكتافهم وقيل قبل أن يروه ، ولم يجدوا يونس بينهم ،  استغفروا الله ولبسوا المسوح وتضرعّوا 40 ليلة وغادروا بيوتهم وصعدوا مرتفعاً [ ملاحظة : يبدو أن هذا المرتفع هو ما يُعرف اليوم بتل النبي يونس بالموصل أحد تلّي أنقاض نينوى والذي بني عليه مسجد اسمه مسجد النبي يونس قيل فيه ضريحه ونبع ماء باسمه،وقد يُعرف باسم " تلّ توبة " لتوبة قومه] وخرجوا إلى براز من الأرض، فتاب الله عليهم ولم يعذبهم فساء يونس عدم تعذيبهم ( وقيل لم يعلم بتوبتهم) فغاضب ( لضيق خلقه أو لرغبته في استئصال قومه) راكباً البحر ( وقيل غضبه هنا لأنه ظن أنه كذب قومه لعدم وقوع العذاب فأنف، وقيل خوفاً منهم أن يقتلوه لظنه أنه كذبهم) حاسباً أن الله سيدعه . وقال بعضهم أن يونس ليس من نينوى ولكن طلب منه ملك إسرائيل ونبيّها شعيا الذهاب لنينوى  فأنف وغاضب وركب البحر ، وقيل غاضب لأن الله أو جبريل استعجله بالذهاب لنينوى ولم يمهله  . ولمّا اضطربت السفينة قارع فقرع فألقي منها ( تخفيفاً للسفينة )، ولعل ذلك أقرب لظاهر الآية :[ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140} الصافات ]، فالتقمه الحوت وتضرّع لله بظلمات البحر فأنجاه الله ونبذه بالعراء ، وأنبت عليه يقطينة تظلّه وهيأ له شياه ترويه من لبنها ، ثم قرضت دابة الأرض اليقطينة فيبست فبكى عليها فأوحى الله إليه أتبكي على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون ، ثم أرسله الله لقومه ثانية ( وقيل لأمة أخرى) ليعلمهم أن الله تاب عليهم ، فوجد غلاماً من قومه يرعى فعلم منه أن قومه يرجون رجوع رسولهم فبعثه يونس إليهم يخبرهم بملاقاته ، ثم خرج قومه وأتوا للمكان يستنطقونه واليقطينة والشياه عن يونس ، فلمّا تبيّنوا ، نزل الملك عن عرشه وأجلس الغلام الذي حكمهم 40 سنة .

لمن بُعِث يونس ؟

جعل اليهود يونس يذهب لقوم غير قومه ، فهو عندهم عبراني أي من بني إسرائيل ( بغض النظر عن صحة لفظ "  عبري/ عبراني"  وأصلها ، فاليهود يقصدون بها إسرائيل أو أنفسهم ، ومنه اللغة العبرية أو العبرانية ) ولكنه ينذر غير إسرائيل ( نينوى الموصل بالعراق التي يُسمّى أحد تلّيها  منذ قرون تل النبي يونس والذي وجد تحته آثار قصور ملوك أشور) : يونان [ 1/ 7 .. فَأَلْقَوْا الْقُرْعَةَ، فَوَقَعَتْ عَلَى يُونَانَ.  8فَقَالُوا لَهُ..  وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ وَمَا هِيَ بِلاَدُكَ؟ وَمَنْ هُمْ قَوْمُكَ؟» 9فَأَجَابَهُمْ: «أَنَا عِبْرَانِيٌّ، .. ( ملاحظة : بالعبرية جاء النص : "عبري انكي " ، أي : عبري أنا)]. وكذلك إشارتهم أنه ليس من أهل منطقة نحو نينوى بالعراق ولكن من نحو يافا بفلسطين :  يونان [1/3غَيْرَ أَنَّ يُونَانَ تَأَهَّبَ لِيَهْرُبَ مِنَ الرَّبِّ إِلَى تَرْشِيشَ، فَانْحَدَرَ إِلَى مَدِينَةِ يَافَا حَيْثُ عَثَرَ عَلَى سَفِينَةٍ مُبْحِرَةٍ إِلَى تَرْشِيشَ، ..  هَرَباً مِنَ الرَّبِّ ]. وكذلك خبرهم أن يونس من قرية غير قرية نينوى ( حيث تذكر التوراة صراحة أنه من بني إسرائيل وبالتحديد من قرية جت حافر وهي بالجليل قرب بحيرة طبرية ) ، والنصارى تعتقد أن قبره بتلك القرية أو النواحي : [  (الملوك الثاني  14 : 25) : ..  حسب كلام الرب اله اسرائيل الذي تكلم به عن يد عبده يونان بن امتاي النبي الذي من جت حافر / وبنسخة أخرى: الملوك الثاني 14/   25 ..  تَحْقِيقاً لِكَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ يُونَانَ بْنِ أَمَتَّايَ النَّبِيِّ مِنْ أَهْلِ جَتَّ حَافِرَ ] . وكذلك أن أرض يونس غير أرض القرية المرسل إليها : [ يونان 4/ 2  و صلى الى الرب و قال آه يا رب اليس هذا كلامي اذ كنت بعد في أرضي]. بالإضافة لإشارة أنه من نحو أورشلم لذكره الهيكل المقدس وهو يدعو ببطن الحوت : [ يونان 2/ 4فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ حَضْرَتِكَ، وَلَنْ أَعُودَ أَتَفَرَّسُ فِي هَيْكَلِكَ الْمُقَدَّسِ. 7عِنْدَمَا وَهَنَتْ نَفْسِي فِي دَاخِلِي، تَذَكَّرْتُ إِلَهِي، فَحَلَّقَتْ صَلاَتِي إِلَيْكَ، إِلَى هَيْكَلِكَ الْمُقَدَّس]ِ. فيتبيّن من خبر اليهود أن يونس من قرية وقوم غير أهل نينوى ،أي أنّه عندهم قد أُرسل لغير قومه.

وقد تأثّر المفسّرون المسلمون بخبر دعوته نينوى، ولكن اعتبر جمهورهم أن أهل نينوى هم قوم يونس (ربما لترجيحهم الأصوب أن النبي عادة يُرسل لقومه)، ولكن البعض اعتبر قول اليهود ( ربما لترجيحهم إسرائيليته) فجعلوا يونس من قوم غير قوم نينوى ،كما ورد بالجامع لأحكام القرآن : [قال ابن عباس: أراد شعيا النبي والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان أوحى الله لشعيا: أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم. فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال فها هنا أنبياء أمناء أقوياء. فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي الملك وقومه، فأتى بحر الروم .. وقيل: خرج ولم يكن نبيا في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى؛ ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبا للملك]. وقد يظهر هنا الخلط بين موسى ويونس ، وفرعون وملك نينوى ، وطلب إطلاق بني إسرائيل من قبضتهما. وحزقيا اليهودي ( 715- 687 ق.م) كما نعته ملك أشور، من ملوك يهودا ( المملكة الجنوبية) وهو بعد سقوط السامرة ( 722-721  ق.م) عاصمة المملكة الشمالية ( إسرائيل)، التي لم يأل قومه جهداً في الكيد ضد مملكة إسرائيل (الشمالية) والتعاون مع العدو لإسقاطها كما فعل آحاز ملك يهودا من قبله [الملوك الثاني 16/ 7  و ارسل احاز رسلا الى تغلث فلاسر ملك اشور قائلا انا عبدك و ابنك اصعد و خلصني من يد ملك ارام و من يد ملك اسرائيل القائمين علي   8  فاخذ احاز الفضة و الذهب الموجودة في بيت الرب و في خزائن بيت الملك و ارسلها الى ملك اشور هدية] ،وقد أكّد القرآن الكريم تقاتل بني إسرائيل وتباغضهم: [ ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ {85} البقرة] . وبعد إعانة مملكة يهودا (الجنوبية)  على سقوط مملكة إسرائيل ( وضياع عشرة أسباط من إخوتهم) لم تلبث أن دارت الدائرة على حزقيا وقومه ،فقد نقش عنه ملك سنحاريب أشور : [ أما حزقيا اليهودي .. من مدنه 46 مدينة حاصرتها وأحتليتها وسلبتها واعتبرتها غنيمة وهو ( حزقيا) كالعصفور في قفصه في أورشلم .. حصرته ذلك الحزقيا قضت عليه هيبتي الملكية المخيفة ]،من كتاب تاريخ اليهود، محمود نعناعة،ص 248 . وبتفسير ابن كثير تبدو محاولة للتوفيق بين القولين : قوم يونس وغير قوم يونس [ مختصر تفسير ابن كثير : وحكى البغوي: أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت]. والقول أن يونس أُرسل في المرة الثانية لقوم آخرين بعيد الاحتمال، لأن الأرجح أن الله قد عاقب يونس بدايةً (لتركه قومه) ، فهم شغله وواجبه الذي تركه ولم ينجزه، [كذلك من سورة يونس الآية 98، نعلم أنه لم يؤمن سوى قوم يونس (من دون كل القرى قبل الإسلام) ،فاستثناء الإيمان بالآية كان لقوم يونس (دون جميع القرى)، ونعلم كذلك أن الذين أُرسل إليهم بعد أمر الحوت (كما يُفترض من سياق الآيات)  قد آمنوا ، وإذن هم قومه لا غيرهم ،لأنه لم يؤمن قوم سواهم (أي قوم يونس،  كما بالآية 98 سورة يونس) من دون كل القرى قبل الإسلام] فمن غير الراجح القول أن الله لم يرجعه إلى قومه ( بإرساله لقوم آخرين) . فالأرجح عودته إلى من عاقبه الله لفراقه إياهم وعزفه عن دعوتهم [ كما ينبغي افتراضه (من ذهابه مغاضباً )، ومن ترجيح إرساله قبل أبقه ( كما قد يبدو من سياق الآيات ونظمها : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139} إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140} الصافات ، ومن مقارنته بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالآية : وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ {48} القلم ، كما سيأتي بيانه)]. وخبر اليهود وبعض المفسّرين أن يونس غريب أو دخيل على القرية ( نينوى بالعراق)  المرسل إليها  ، أمر مستبعد جداً ، لأن النبي المُرسل يكون لقومه أولاً حتى يخرجوه لقوم آخرين ، وكذلك لأن الله لا يبعث لقوم رسولاً  إلاّ بلسانهم ليبين لهم :

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ  {4} إبراهيم

ولذا يُرجّح أن يكون لسان القرية هو نفس لسان يونس [ بينما لسان نينوى الأشوري ( الأكادية على الأرجح ثم الأرامية) يُرجّح تميّزه عن لسان إسرائيل (الكنعاني أو العبراني الذي ظلّ كذلك حتى السبي البابلي) وهذا يجعل خبر نينوى العراق وإسرائيلية ( عبرانية) يونس خبراً ضعيفاً جداً . كما أن هذا الخبر اليهودي ( إرسال يونس لغير قومه) كما تقدّم، تعارضه الآية الكريمة معارضة واضحة :

فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ {98} يونس

فهذا نص قرآني واضح وصريح أن القرية ( نينوى أو غيرها كنواحي طبرية أو أخرى) هم [قوم يونس] ، وهذا يدلّ أنه ليس دخيلاً عليهم أو غريباً عنهم. فإما أن يونس من إسرائيل والقرية من إسرائيل أو أن يونس من العراق والقرية من العراق أو أن يونس من قوم ما والقرية من نفس قومه.  اليهود قالوا أن يونس أرسل لغير قومه ، وبعض المفسرين وافقوهم ، ولكن القرآن يبدو معارضاً لذلك ، فالقرية واحدة ( نينوى أو غيرها) ، وهذه القرية [هم قوم يونس] ، وهي القرية الوحيدة في تاريخ البشرية التي آمنت بتمامها أو معظمها من دون جميع القرى قبل الإسلام. وقد نستشعر إشارة ولو ضعيفة جداً، في عبارة ( وأعدته لأهله ) الواردة في سفر مخفيّ : سفر المكابيين الثالث [ 6/ 8: ويونه ، الذي كان ببطن الحوت حفظته يا الله وأعدته سالماً  إلى كل أهله] ، أن قوم يونس هم من أُرسل إليهم ، لولا اعتراض بقول أن عودته لأهله سالماً يمكن أن تكون بعد ذهابه لنينوى ورجوعه منها (رغم ضعفه أو بطلانه كما وجدنا). وكذلك ما جاء بسفر يونه من أن يونس خرج إلى شرق نينوى يرقب هلاكها وأن الله أرسل عليه ريحاً شرقية حارة [ يونان 4/ 5   و خرج يونان من المدينة و جلس شرقي المدينة .. 8   و حدث عند طلوع الشمس ان الله اعد ريحا شرقية حارة فضربت الشمس على راس يونان] قد يعطي الانطباع أن الخبر الأقدم بالسفر كان يتحدث عن منطقة فلسطين ( التي شرقها الصحراء وريحها الحارّة) أو نواحي ساحل الشام عموماً وليس عن منطقة العراق ( التي غربها الصحراء) ،وبخاصة نينوى التي مشرقها شوامخ الجبال.

متى ذهب يونس آبقاً ؟

هرب يونس أو برحه ( كما تأفّك لسان اليهود) لم يكن من وسط نينوى أو القرية (كما لدى غالب المفسّرين) ، ولكن كان ساعة تلقيه الأمر بالتوجّه لنينوى : [ يونان 1/ وَأَمَرَ الرَّبُّ يُونَانَ بْنَ أَمِتَّايَ: 2«هَيَّا امْضِ إِلَى نِينَوَى ..  وَبَلِّغْ أَهْلَهَا قَضَائِي .. 3غَيْرَ أَنَّ يُونَانَ تَأَهَّبَ لِيَهْرُبَ مِنَ الرَّبِّ إِلَى تَرْشِيشَ، فَانْحَدَرَ إِلَى مَدِينَةِ يَافَا حَيْثُ عَثَرَ عَلَى سَفِينَةٍ ..  وَصَعِدَ إِلَيْهَا ..  هَرَباً مِنَ الرَّبِّ ] ، وترشيش ورد ذكرها بأخبار النبي سليمان (وقد تعني بحر الشام عموماً أو مكان فيه أو هي طرسوس بتركيه وقيل بأسبانيه) وجاء بتاريخ ابن خلدون : [ وأما ياوان واسمه يونان فعند الإسرائيليين أنه كان له من الولد أربعة وهم .. وترشيش .. وأن ترشيش أهل طرسوس]، وبمعجم البلدان : [وكان اسم تونس في القديم ترشيش]، وقد تكون تحريفاً في قرطاجة (قرت حدش) . ولكن هذا أمر لا ينبغي افتراض حدوثه بهذه الصورة من نبي الله بل قد لا يقوم بمثله غير الأنبياء فكيف نظن ذلك ممن اصطفاهم الله على العالمين . ثم بعد إفكهم علّل اليهود ( على لسان يونس) أن هربه من الله في بداية الأمر  كان لعلمه سلفاً ( وهو ما يزال بعد بأرضه عند طبرية بالجليل ، وقبل وصوله لنينوى العراق) أن الله سيرحم القرية ولن يهلكها : [يونان 3/  10  فلما راى الله اعمالهم انهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم ان يصنعه بهم فلم يصنعه يونان 4/ 1  فغم ذلك يونان غما شديدا فاغتاظ   2  و صلى الى الرب و قال اه يا رب اليس هذا كلامي اذ كنت بعد في ارضي لذلك بادرت الى الهرب الى ترشيش لاني علمت انك اله رؤوف و رحيم بطيء الغضب و كثير الرحمة و نادم على الشر]. فاليهود بعد أن أضاعوا ساعة ذهاب يونس وركوبه البحر ، جعلوا وقت ذهابه وأبقه قبل توجّهه لنينوى وبلوغها ، ثم حاولوا بعد ذلك تفسير سبب فراره ( أي رفضه حتى فكرة التوجّه لنينوى)  من الله بأنه عائد لعلمه السابق أن القرية لن تهلك ولكن سُترحم ، الأمر الذي سيدفعه للغضب حينها،لذا قرّر الفرار قبل حصول كل ما كان على علم به مسبقاً. وهذا السخف اليهودي (أن يونس هرب قبل ذهابه لنينوى) ، قد يكون تعليله الأقرب هو خوف وهلع  اليهود البالغ من أهل أشور أولي البأس والبطش الشديدين الذين أضاعوا وبعثروا أسباط إسرائيل أو كادوا حتى لم يبق منهم سوى سبط يهوذا وشرذمة سبط آخر. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ،لعل اليهود المتأخرين وضعوا هذا التحريف لبغضهم الأمم وكتمهم الدين عن غيرهم وحصره عليهم فقط [أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا {53} النساء] فجعلوا يونس المسلم وكأنه يهودي  مثلهم لا يعبأ ولا يفرح بهداية الأمم الأخرى خاصة من فتكوا بهم، كما يظهر ذلك من غضب يونه ( اسم يونس لدى اليهود ) على عدم دمار نينوى ( الذي في الحقيقة يمثّل غضب اليهود على عدم أو تأخر دمار أهل العراق بابلها وأشورها الذين سبوهم واستعبدوهم وساموهم صنوف الويل والعذاب ).

وقد تأثّر بعض المفسرين بذلك التحريف اليهودي فورد لديهم كما تقدم نصّه، أن يونس تارة غاضب أنفة ملك إسرائيل ونبيها شعيا لأمرهم إياه بالذهاب لنينوى ، وأخرى لاستعجال الله له أو جبريل بالتوجّه لنينوى وعدم إمهاله [ الجامع للقرطبي : وقال الحسن: أمره الله تعالى بالمسيرة إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر، وقيل له: الأمر أعجل من ذلك - وكان في خلقه ضيق - فخرج مغاضبا لربه / قال الطبري عن شهر بن حوشب: إن جبريل عليه السلام أتي يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب فانطلق إلى السفينة]، وفي كلتا الحالتين كان ذهابه مغاضباً آبقاً (قبل التوجّه لنينوى أو دعوة قومه). ولكن هذا الخبر اليهودي الذي قضى أن يونس أبق إلى الفلك قبل التوجّه ( أو حتى نيّة التوجّه) للدعوة لمن أرسله الله إليهم ( نينوى أو غيرها) ، يبدو متعارضاً مع القرآن كما تتضمنه معاني الآيات الكريمة التالية : [ فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ {44} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ {45} أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ {46} أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ {47} فَاصْبِرْ