إدوارد سعيد يعرض الظلم الأميركي!
لا يقتصر الظلم الذي تمارسه الإدارات الأميركية المتعاقبة على الشعوب والأمم الأخرى، بل يشمل أيضاً الأجناس الأخرى المكونة للشعب الأميركي بالذات، فسجونها لا تقتصر على غوانتينامو وأبي غريب، ولا على إقامة جدران العزل العنصري في فلسطين والعزل السياسي في العراق، بل هي قائمة أيضاً، بالجوهر ذاته، داخل الولايات المتحدة، وفي هذا الصدد يقول المفكر الراحل إدوارد سعيد أن الظلم والوحشية المنظمين والمشرّعين قانونياً على صعيد الداخل الأميركي هما ما يعشقه الكثير من الأميركيين مثلما يعشقون "بلطجتها" واستهتارها على الصعيد الخارجي! وقد أضاف في مقالة له حملت عنوان "تأملات في الظلم الأميركي" قائلاً: "كشف تقرير صدر مؤخراً أن في الولايات المتحدة، التي يشكل سكانها نسبة 5% من سكان العالم، يوجد مليونا سجين، أي 25% من مجموع السجناء في العالم، وأن نحو 45% من هؤلاء السجناء من الأميركيين الأفارقة، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبتهم إلى بقية السكان الأميركيين (صحيفة "الحياة"-3/3/2000) ويقول إدوارد سعيد أن الولايات المتحدة تستهلك أيضاً 30% من طاقة العالم، وتدمر كذلك نسبة مشابهة من بيئة كوكب الأرض! يقصد أن استهلاكها وتدميرها تعادل نسبتهما نسبة سجنائها في الداخل من مجمل سجناء العالم!
معاناة العراق ومعاناة الأميركيين!
لقد ذكرنا في ما سبق أن عدد السجناء في ولاية تكساس قفز من 41 ألفاً إلى 150 ألفاً في فترة ولاية بوش الابن لحاكميتها، وهو إنجاز كان بوش يفاخر به! ويعلق إدوارد سعيد قائلاً: "لا غرابة إذاً، على ضوء وحشية الإدارة الأميركية تجاه مواطنيها، أن تفرض على العراقيين في (في عهد كلينتون الديمقراطي) المعاناة من الجوع، وانهيار النظام الصحي، والتعليمي، والبنية التحتية عموماً"!
يقول إدوارو سعيد: "لكي نفهم استمرار العقوبات ضد العراق (لمدة ثلاثة عشر عاماً) وأيضاً لنفهم سبب "تفهّم" وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت لعمليات القصف الإسرائيلي الإجرامي لأهداف مدنية في لبنان، علينا أن نتفحص وجهاً من أوجه التاريخ الأميركي، يغفله أو يتجاهله المثقفون العرب والنخب العربية الحاكمة، الذين يواصلون الكلام عن "إنصاف" أميركا! والوجه المطلوب تفحصه كما يشرح إدوارد سعيد هو: المعاملة التي يلقاها الأميركيون الأفارقة الذين يشكلون نسبة 20% من الأميركيين، وهي نسبة مهمة، فهناك أولاً، على الصعيد التاريخي، قضية العبودية، ولأخذ فكرة عن محاولات الإدارات الأميركية إخفاء هذه الحقيقة عميقاً تحت سطح ذاكرة أميركا وثقافتها الرسمية، يكفي أن نلاحظ خلوّ برامج تعليم التاريخ، أو تعليم الأدب، حتى عقد السبعينات من أية إشارة إلى العبودية أو إلى ثقافة السود وإنجازاتهم!
لا أدب أفريقي ولا أفارقة!
قضى إدوارد سعيد السنوات من عام 1953 إلى عام 1963 في الدراسة الجامعية للأدب الإنكليزي والأميركي، وكان جميع ما درسه (كما يقول) بلا استثناء أعمالاً للكتّاب البيض، فلم يكن هناك دوبوا، أو روايات العبيد عن حياتهم، أوزورا نيل هرستون، أو لانغستون هيوز، أو رالف آليسون، أو ريتشارد رايت! يقول إدوارد أنه سأل ذات يوم أستاذاً أميركياً مرموقاً، كان يقدّم نحو ثلاثين محاضرة خلال العام الأكاديمي، عن المئتين وخمسين سنة الأخيرة من الأدب الأميركي، وعن سبب عدم تقديم محاضرات عن الأدب الأسود، فكان الجواب بكل بساطة: ليس هناك أدب أسود، ولم يكن في هارفرد وبرينستون أثناء دراستي فيهما طلبة سود أو أساتذة سود، أو ما يشير من قريب أو بعيد إلى أن اقتصاد نصف البلاد اعتمد بكامله طوال قرنين تقريباً على العبيد، أو إلى أن خمسين إلى ستين مليون إنسان جلبوا عبيداً إلى القارة الأميركية! إن هذه الحقائق لم تكن تستحق الذكر، وكان القانون حتى عام 1964 يميز صراحة ضدّ الملونين!
لقد برزت شخصيات هامة على رأس الحركة الشعبية التي قادها كثيرون من الرجال والنساء، في طليعتهم مالكوم إكس، وبول روبسون، ومارتن لوثر كينغ، ولكن ما يكاد أمثال هؤلاء يحققون قدراً من البروز والقوة حتى يهبّ النظام الأميركي ويتحرك لتدميرهم!
المحرقة النازية والعبودية الأميركية!
إن في واشنطن متحفاً للمحرقة النازية ضدّ اليهود، ولكن ليس فيها متحفاً عن العبودية في أميركا! ويعلّق إدوارد سعيد قائلاً: "مع أن العبودية حصلت هنا في أميركا، فيما حصلت المحرقة هناك في أوروبا، وهذا يعكس الأولويات التي لا تزال تسيطر على الثقافة الرسمية الأميركية! كذلك فإنك لا تجد في واشنطن –يتابع إدوارد سعيد- متحفاً عن إبادة سكان أميركا الأصليين! أي أن المتاحف التذكارية الأميركية انتقائية، تستبعد ما تشاء من التذكارات التي تعطي أمثلة صارخة عن العنف والوحشية الأميركية!
www.snurl.com/375h