إعادة تعريف الرأسمالية وإصلاحها!
بقلم : نصر شمالي
وقع العالم أجمع أو يكاد في قبضة المنتدى الاقتصادي العالمي (منتدى دافوس) الذي يواظب على الاجتماع سنوياً في المنتجع السويسري، والذي أصبح ملتقى صنّاع القرارات وموجّهي الرأي العام ، أمّا إدارة هذا المنتدى فتتألف من 74 شركة قيادية متعدّدة الجنسيّة، تتّسع دائرتها قليلاّ لتضمّ 26 شركة أخرى أقلّ ثراءً وحجماً، ثمّ تأتي القاعدة العريضة من الشركات القيادية ، ليصل العدد الإجمالي إلى 1370 شركة حضر ممثلّوها جميعها دورة السنة الحالية 2008 في دافوس!
إنّ إدارة منتدى دافوس المؤلفة من كبار رجال المال والأعمال في العالم توشك أن تحقق السيطرة التامة على جميع البرامج الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد ركّزت دورة المنتدى السنوية لهذا العام جلّ اهتمامها على خمسة محاور رئيسية،نكتفي هنا بالإشارة إلى أولها وأهمّها قاطبة: "تنظيم وتنسيق الاهتمامات والتداخلات، والتقاطعات والتناقضات، بين الشركات المتعدّدة الجنسية، في أسواق عالمية ينبغي أن تكون آمنة، بينما هي ليست كذلك بسبب التنافس غير النّزيه الذي تخوضه هذه الشركات"! حسب ما ورد في التقارير المقدّمة إلى الدورة! إنّ هذه الشركات، خاصة التي تغلب عليها الجنسية الأميركية، لا تتورّع عن الغدر والطعن في الظهر، وعن الابتزاز والبلطجة ضدّ الشركاء، الأمر الذي دفع بعض الذين يكظمون غيظهم بصعوبة شديدة إلى القول بمنتهى الحذر والتهذيب: "إنّ الرأسمالية بحاجة إلى إعادة تعريف، وإلى إصلاح، كي يكون في وسعها الاستمرار"! هكذا بالضبط حسب قولهم! وبالطبع فإن المقصود بإعادة الصياغة والإصلاح هو الاتفاق على تطوير الإستراتيجية الاحتكارية العالمية، وإصلاح علاقات ونشاطات الشركات المتعدّدة الجنسية،كي تحكم سيطرتها أكثر على الأسواق، وكي لا تفلت الشعوب من براثنها وأنيابها!
الشركات القائدة والحكومات التابعة!
لقد كان الهاجس الرئيس للمشاركين في دورة منتدى دافوس للعام الحالي هو إحكام السيطرة على الأسواق الدولية، أي على الشعوب طبعاً، لأنّ هذه السيطرة يهدّدها التنافس بين الدول الكبرى، وهو تنافس غير نزيه كما قالت وثائق المنتدى! وفي مواجهة هذه المعضلة توجهت الإدارة إلى المشاركين للضغط على حكوماتهم من أجل التوصل إلى نتائج عملية تعزّز التجارة الدولية ولا تعرّض العالم لمزيد من الحواجز، فالتنافس في ميادين الأعمال يجب أن ينطلق، حسب توجيهات الإدارة، من تقاطع المصالح بين الشركات: "حيث يجب أن يراعى التوصل إلى العمل في نطاق روح الفريق الواحد الذي تمثّله الشركات المتعدّدة الجنسية، وذلك للتقليل من الخسائر، وللتمتع بأكبر مقدار من المكاسب"! هذا ما وجّهت به الشركات القائدة، وما على الحكومات إلاّ التنفيذ، علماً أنّ أهمّ هذه الحكومات مشارك في المنتدى! وفي استجابة سريعة لهذا التوجيه سارعت قيادات عربية خليجية شابّة مشاركة في المنتدى، فدعت إلى بناء "المواطنة العالمية"! وذلك بأن قدّمت أفكاراً عن الدور الاقتصادي القيادي في تنمية المجتمعات عن طريق مشاركة الشركات في صناعة القرار (الوطني) عبر المؤسسات (الوطنية) المختلفة! وطلبت هذه القيادات العربية الشابة أن تتاح لها الفرصة للمساهمة في إيجاد الحلول للمعضلات التي يواجهها النظام الرأسمالي العالمي، وذلك بالتعاون مع القيادات القديمة التي كان لها دور في تشكيل الاقتصاد الدولي خلال المرحلة الماضية! لقد حدث هذا حقّاً في دورة دافوس الأخيرة، فالحكومات العربية والأثرياء العرب أول من يطيع وآخر من يعصى أوامر الشركات القائدة وممثليها الحكوميين، خاصة الأميركيين!
الولايات المتحدة خصماً وحكماً!
غير أنّ روح التشاؤم هي التي سادت ملتقى دافوس الأخير، قبل انعقاده وأثناء انعقاده وفي بيانه الختامي، ويعود السبب حصراً إلى الولايات المتحدة التي تعاني من اضطرابات اقتصادية داخلية تهدّد بالانكماش والركود لفترة غير قصيرة، وسوف تسبب بالتالي ركوداً وانكماشاً لأسواق العالم عموماً ، وقد أعاد المستثمر العالمي جورج سوروس ما يجري داخل الولايات المتحدة وخارجها إلى: " حدوث تحوّل كبير في مراكز القوة والنفوذ العالمي لصالح الاقتصاديات العملاقة الناشئة، مثل الصين والهند"! مشدّداً على أنّه سيكون صعباً جدّاً تجنّب حدوث ركود وانكماش في الولايات المتحدة وبريطانيا! ولكن كيف يكون الحال كما قال سوروس و "معهد ماكنزي الدولي" الأميركي يقول في آخر تقاريره أنّ الولايات المتحدة ستبقى حتى إشعار آخر أغنى دولة في العالم، حيث موجودات أسواقها المالية في العام 2006بلغت 2, 53تريليون دولار من أصل 167 تريليون دولار في الأسواق المختلفة في 100 دولة! أي أنّها لوحدها تستحوذ على حوالي ثلث الكتلة النقدية الدولارية العالمية! وجدير بالذكر هنا أنّ الاتحاد الأوروبي يستحوذ على 6 , 26تريليون ماعدا بريطانيا التي تستحوذ لوحدها على 10 تريليون، أمّا الصين فقد بلغت موجوداتها 1, 8 تريليون دولار، وأمّا روسيا والهند ومعهما عدد من دول آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا الشرقية ، فقد تجاوزت قيمة موجودات أسواقها المالية 15 تريليون دولار! كذلك جدير بالذكر هنا أن الاستثمارات الخارجية لدول الخليج قد بلغت في نهاية العام 2006 حوالي 8, 3 تريليون دولار، وهو رقم ضخم جدّاً مقارنة برقم المجموعة الدولية الكبيرة الذي ذكرناه قبله! نريد أن نخلص إلى أنّ الولايات المتحدة هي مركز الاضطراب المالي العالمي رغم تفوّقها المالي الساحق، أمّا عن السبب في ذلك فيتلخص في أعبائها العسكرية الحربية الهائلة في مختلف أنحاء العالم من جهة، وفي محاباة حكوماتها للشركات والأثرياء الأميركيين، خاصة الحكومة الحالية، على حساب الشعب الأميركي الذي تتردّى أوضاع سواده نسبيّاً بصورة ملحوظة، وعلى حساب شعوب العالم أجمع، التي يعيش ربعها على الأقل حالة تشبه الاحتضار!
تقول مصادر دافوس أنّ أكثر من مليار إنسان في العالم يعيشون بأقلّ من دولار واحد يومياً! وأنّ نحو مليار إنسان لا يعرفون القراءة والكتابة، وأنّ 77 مليون طفل بلا مدارس ولا تعليم..الخ، ناهيكم عن الكوارث البيئية الماثلة، أمّا حكومة الولايات المتحدة، الدولة الأغنى في العالم، فتستدين 850 مليار دولار في العام 2006 من الدول الأخرى لتغطي نفقاتها الحربية في أنحاء العالم، ولتزيد الشركات والأثرياء قوة وثراءً، دافعة في اتجاه مزيد من الاختلال في التوازن المالي في بلادها وفي العالم عموماً ، وهذه ليست أعراض اقتصاد يوصف بالقوة، كما يقول جوزيف ستيغلتز أحد كبار الاقتصاديين في البنك الدولي سابقاً، فكيف سيعيدون تعريف الرأسمالية من وجهة نظرهم بالذات، وكيف سيصلحونها لمصلحتهم هم بالذات؟!
ns_shamali@yahoo.com